الشيخ محمد علي طه الدرة
465
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
هذا ؛ و « عكاظ » نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة ، وبينه وبين مكة ثلاث ليال . و « ذو المجاز » خلف عرفة . و « مجنة » بمر الظهران ، قرب جبل ، يقال له : الأصفر ، وهو بأسفل مكة على قدر ميل منها . وهذه أسواق للعرب ، وكان أهل الجاهلية يصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة ، ثم يذهبون منه إلى مجنّة بعد مضي عشرين يوما من ذي القعدة ، فإذا رأوا هلال ذي الحجّة ؛ ذهبوا من مجنّة إلى ذي المجاز ، فلبثوا فيه ثماني ليال ، ثم يذهبون إلى عرفة ، ولم تزل هذه الأسواق قائمة في الإسلام إلى أن كان أول ما ترك منها سوق عكاظ في زمن الخوارج سنة تسع وعشرين ومئة ، لمّا خرج الحروري بمكّة مع أبي حمزة المختار بن عوف ، خاف الناس أن ينتهبوا ، فتركت إلى الآن ، ثمّ ترك ذو المجاز ، ومجنّة بعد ذلك ، واستغنوا بالأسواق بمكّة ، وبمنى ، وعرفة . هذا وفي الآية دليل على جواز التجارة في الحج للحاج مع أداء العبادة ، وأن القصد إلى ذلك لا يعدّ شركا ، ولا يخرج به المكلّف عن اسم الإخلاص المفترض عليه ؛ ما لم يكن الباعث على التّجارة أقوى من الباعث على الحج ، فقد روى الدّارقطنيّ في سننه عن أبي أمامة التيمي - رضي اللّه عنه - قال : قلت لابن عمر - رضي اللّه عنهما - : إنّي رجل أكري في هذا الوجه ، وإن ناسا يقولون : إنه لا حجّ لك ، فقال : جاء رجل إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأله مثل هذا الذي سألتني ، فسكت حتى نزلت هذه الآية : لَيْسَ عَلَيْكُمْ . . . إلخ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ لك حجّا » . فَإِذا أَفَضْتُمْ : أي : اندفعتم ، يقال : أفاض الإناء : إذا امتلأ ؛ حتى ينصبّ عن نواحيه . ورجل فياض ، أي : متدفق بالعطاء . قال زهير بن أبي سلمى في ممدوحه : [ الطويل ] وأبيض فيّاض يداه غمامة * على معتفيه ما تغبّ فواضله هذا ؛ وفاض : لازم ، وأفاض متعدّ ، تقول : فاض الإناء ، وأفضته ، أي : ملأته . مِنْ عَرَفاتٍ : اسم علم سمي بلفظ الجمع كأذرعات في قول امرئ القيس ، وهو الشاهد رقم [ 188 ] من كتابنا : « فتح رب البرية » إعراب شواهد جامع الدروس العربية : [ الطويل ] تنوّرتها من أذرعات وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عالي فقد قرئ عَرَفاتٍ بالتنوين ، وهي قراءة الجماعة ، والتنوين هنا بمنزلة النون في مسلمين . قال النحاس : هذا الجيد . وحكى سيبويه عن العرب حذف التنوين من عرفات ، يقول : هذه عرفات يا هذا ، ورأيت عرفات يا هذا ، ومررت بعرفات يا هذا ، بكسر التاء ، وبغير تنوين ، قال : لما جعلوها معرفة حذفوا التنوين ، وحكى الأخفش ، والكوفيّون فتح التاء تشبيها بتاء فاطمة ، وطلحة ؛ أي : فهو ممنوع من الصرف ، وانظر الكلام على بيت امرئ القيس في الكتاب المذكور ؛ فإنّه جيد ، والحمد للّه ! . هذا ؛ وسميت تلك البقعة المقدسة عرفات ؛ لأنها وصفت لإبراهيم على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام ، فلما رآها ؛ عرفها ، وقيل : إنّ جبريل عليه السّلام حين كان يدور به في